محمد بن المنور الميهني

18

أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد

مقدمة المؤلف بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الذي نور قلوب أوليائه بلطائف أنواره ، وجعل سراير أحبائه وبواطنهم كنوز أسراره ، وكشف عن عقول أصفيائه حجب الطغيان وأستاره ، والصلاة والسلام على محمد عبده ونبيه وخيرته من أخياره ، وعلى آله وأصحابه وأعوانه وأنصاره وسلم تسليما كثيرا . الشكر والثناء بلا حد ، والحمد بلا نهاية ، والمدح بلا غاية ؛ لخالق الكائنات وصانع المخلوقات تعالى وتقدست صفاته ، الخالق الذي خلق العالم من غير ما غرض ولا علة ولا طلب فائدة ولا خير ، بل بمحض كرمه وكمال عنايته ولطفه ، وإظهارا لقدرته غير المتناهية . وخصه بأنواع الغرائب والبدائع ؛ من جملتها أنه خلق آدم الصفى والد البشر ، وموئل أهل العالم . من حفنة من تراب ، وترك قالبه الذي صنعه من حجر مسنون بين مكة والطائف أعواما طويلة ؛ حتى إذا ما تحقق له استعداد الروح واستكمال النفس الإنسانية من عالم المشيئة ، زين قالبه بحلية « وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي » ، وأطلق عليه اسم الإنسان . ولما كانت كلمة إنسان وأنس ومؤانسة كلمات مركبة من حروف متناسبة ؛ اقتضت الحكمة البالغة أن يحتاج إلى مؤنس لكي يدفع عنه وحشة الوحدة بمؤانسة ذلك المؤنس ، فخلق حواء أم البشر من ضلعه الأيسر على وجه الإبداع وسبيل الاختراع ( ص 4 ) ، وجعل الشهوة وهي من عوارض النفس الحيوانية في طويتهم ؛ حتى استحكمت بينهما صلة التوالد والتناسل بذلك ؛ فظهر وانتشر في أرجاء الأرض وعلى ظهر البسيطة آلاف وآلاف من الآدميين . وقد خص كل صنف منهم بخاصية ، ووصف كل طائفة منهم